يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

243

أشعار الشعراء الستة الجاهليين

الواحدة خاصة بفكرة واحدة ، أو وصفا لشيء واحد من غير خروج إلى غير الموضوع ، ولو كان في فصل منعزل عن الأول . وهذا ليس من الشعر في أصله ، بل هو تابع للأذواق ولطريقة الشاعر في شعره ، ولا ينوّع الشاعر المبرز في العربية الموضوع في كل قصيدة فكثيرا ما يحصر شعره في القصيدة الواحدة في موضوع واحد ، وإذا نوّع الموضوع فهو يخرج إلى الثاني بمناسبة وبعد فصله عن الأول ، مريدا بذلك أن تكون قصيدته كالروضة الغنّاء محتوية على مختلف الأزهار ، وهذا أقرب إلى الطبيعة ، وليس فيه ما يؤخذ عليه غير كونه ينافي ما يفعله شعراء الغرب ولكل أمة سياق ونزعة ليست لأختها ، وأعتقد أن الكتّاب الذين يزرون بشعر شعرائنا على الإطلاق لو أتيح لهم أن يكونوا شعراء لما خرجوا كثيرا عن النهج الذي يمشي عليه المبرزون من هؤلاء ، والسبب هو ما قدّمته من اختلاف ألوان الشعور عندنا عن ألوانه عند الغربيين من جهة ، وقيّد القافية واعرابها عندنا وفقدانه عندهم من جهة أخرى . . . وقد همّ كثير من الشعراء المتضلّعين من العلوم العصرية بتقليد الغرب في شعره ؛ فلم يكن ما أتوا به غربيّا ولا شرقيّا ؛ ولم يوفّقوا إلا في ألوان من الشعور هي مشتركة بين الأمم جميعها : ومهما تمرّد الشاعر الكبير على الأساليب والتصوّرات في أمته فهو لا يستطيع أن يطفو مرة واحدة إلى تصوّرات وأساليب تخالف ما ألفه شعبه فقطع الوشائج القوية التي تربط الحال بالماضي ( 1 ) . 2 - ويعيب العقّاد الشعر الجاهلي ثانيا بأنه لم يكن فنّا استقلّ به صناعة الخبيرون به ؛ وذلك لا يسير مع الحقيقة والواقع ؛ فشعراء المعلقات ومذاهبهم الفنيّة في الشعر معروفة . ويقول الدكتور طه حسين في كتابه الأدب الجاهلي : أما مضر فكان لها في الجاهلية شعراء يتّخذون الشعر فنّا يمثّلون به نهضة فنيّة عقلية في هذا الإقليم من جزيرة العرب . 3 - ويعيبه ثالثا بهلهلة صياغته وما فيه من عيوب عروضية وتكرير ساذج وتجوّز معيب ، وفي هذا مغالاة . وكانت ثورة النقد الكبرى بين الدكتور طه حسين وبعض النقّاد والباحثين حول الشعر الجاهلي وانتحاله ذات صدى بعيد في دراسات الشعر الجاهلي . ويؤيد الدكتور هذا الانتحال بأدلة كثيرة ، فضلا عن أنه لا يمثّل في رأيه اللغة الجاهلية نفسها

--> ( 1 ) من مقال له نشر بالسياسة الأسبوعية عام 1927 .